الشيخ محمد رشيد رضا

75

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

دلت الآيات على أن اللّه تعالى لا يؤاخذ الناس بمخالفة ما جاءت به الرسل الا إذا بلغتهم دعوتهم ، وقامت عليهم حجتهم ، لان هذا النوع من المؤاخذة وضعي لا يتحقق الا بتحقق الوضع الذي يترتب هو عليه . كذلك تدل آيات أخرى على الحساب والجزاء العامّ بالقسط على حسب تأثير الاعمال في النفوس ، فمن دسى نفسه وأبسلها ، لا يمكن أن يكون عند اللّه كمن زكى نفسه وأسلمها . ولا يمكن أن يقول عاقل إن نفوس من لم تبلغهم الدعوة الصحيحة تكون سواء مهما اختلفت عقائدهم وأخلاقهم وأعمالهم ، فان هذا مخالف لحكم العقل وادراك الحس ، إذ لم توجد ولا توجد أمة الا وفيها الصالحون والطالحون والأبرار والفجار ، والذين يؤثرون ما يرونه من الهدى ، على داعية الشهوة والهوى ، والعكس . فهل يكون الفريقان عند الحكم العدل سواء ؟ ( 5 : 104 قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ * 11 : 24 مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ؟ ) * * * لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ هذا استدراك على ما علم من السياق من انكارهم نبوته ( ص ) وعدم شهادتهم بها ، وهي عندهم في مرتبة المشهود به لوضوحها ، ولكنهم استبدلوا المباهتة والمكابرة بالشهادة والايمان ، فسألوه أن ينزل عليهم كتابا من السماء يثبت دعواه ، ويكون شاهدا له مقنعا لهم ، فبين اللّه تعالى له أن هذا الطلب جار على شنشنتهم في معاملة أنبيائهم من قبل ، وان وحيه اليه هو من جنس وحيه إلى أولئك الأنبياء الذين يزعمون أنهم يؤمنون بهم ويشهدون لهم ، فكأنه تعالى يقول لرسوله ( ص ) انهم مع وضوح امر نبوتك في نفسه ، لا يشهدون بما أنزل إليك وان كانوا يشهدون لما هو من جنسه ، لكن اللّه يشهد لك به ، فإنه أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ أي متلبسا بعلمه الخاص الذي لم تكن تعلمه أنت ولا قومك من قبل انزاله إليك ( 11 : 48 تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا * 42 : 52 ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا * 29 : 48 وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ ) فهو بما فيه من العلوم الإلهية والأدبية والسياسية والقضائية والاجتماعية ، ومن علوم الأنبياء والرسل والأمم وغير ذلك ، - وبما جاء به من الأسلوب